محمد جمال الدين القاسمي

229

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [ سبأ : 40 - 41 ] . وفي قوله تعالى : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ [ المائدة : 116 ] الآية . وقوله تعالى : وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً [ آل عمران : 80 ] الآية . وفي قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [ النجم : 19 - 20 ] . وحديث « 1 » أبي واقد الليثيّ قال : خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر ، وللمشركين سدرة يعكفون عندها ، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها « ذات أنواط » فمررنا بسدرة فقلنا : يا رسول الله ، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « الله أكبر ، إنها السنن ، قلتم - والذي نفسي بيده - كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ - إلى قوله : وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [ الأعراف : 138 - 140 ] رواه الترمذيّ وصححه . وأما عبادتهم للأحبار والرهبان ففي قوله تعالى : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [ التوبة : 31 ] ، فروى الإمام أحمد والترمذي « 2 » عن عديّ بن حاتم أنه سمع النبي صلى اللّه عليه وسلّم يقرأ هذه الآية اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية ، فقلت له : إنا لسنا نعبدهم ، قال : « أليس يحرّمون ما أحلّ الله فتحرّمون ، ويحلّون ما حرّم الله فتحلّونه ؟ » فقلت : بلى قال : « فتلك عبادتهم » . فالعبادة أنواع وأصناف ، ولا يتم الإيمان إلّا بتوحيدها كلها لله سبحانه . وقد بينت السنة أن الدعاء هو العبادة . أي ركنها المهم الأعظم . وأصله من التنزيل الكريم قوله تعالى : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في : الفتن ، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم . وهذا نصه : عن أبي واقد الليثيّ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم لما خرج إلى خيبر مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط ، يعلقون عليها أسلحتهم . فقالوا : يا رسول اللّه ، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط . فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم : « سبحان اللّه ! هذا كما قال قوم موسى : اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ . والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم » . ( 2 ) أخرج الترمذيّ في : التفسير ، سورة التوبة ، حدثنا الحسين بن مرثد . عن عدي بن حاتم قال : أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلّم وفي عنقي صليب من ذهب . فقال : « يا عدي ، اطرح عنك هذا الوثن » . وسمعته يقرأ في سورة براءة : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ، قال : « أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم . ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه ، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه » .